تقرير بحث السيد الخوئي للفياض
345
محاضرات في أصول الفقه
التنافي والتكاذب بينهما بالذات بحيث لا يمكن كشفهما معا عن مراد المولى في مرحلة الإثبات ، فعندئذ يمكن أن يقال بتقديمه عليه بأحد الوجوه المتقدمة . وإن شئت قلت : إن التنافي بين الإطلاقين إذا كان بالذات في مقام الإثبات فبطبيعة الحال يكشف عن التنافي بينهما في مقام الثبوت بقانون التبعية ، وعليه فلابد من تقديم ما هو الأقوى والأرجح على الآخر . وهذا بخلاف محل الكلام هنا ، فإنه لا تعارض ولا تكاذب بين الإطلاقين بالذات أصلا ، بداهة أنه لا مانع من أن يكون كل من الهيئة والمادة مطلقا من دون أية منافاة بينهما ، والمنافاة إنما جاءت من الخارج ، وهو العلم الإجمالي برجوع القيد إلى إحداهما ، ومن الطبيعي أن هذا العلم الإجمالي لا يوجب تقديم ما هو أقوى دلالة وظهورا على غيره كيف ؟ حيث إن نسبته إلى كل واحدة منهما على حد سواء ، فلا توجب أقوائية إطلاق إحداهما التقدم على الأخرى كما هو واضح . وبكلمة أخرى : أن العلم الإجمالي تعلق برجوع القيد إلى إحداهما ، ومن البديهي أن كون إطلاق الهيئة شموليا وإطلاق المادة بدليا لا يوجب ذلك رجوع القيد إلى الثاني دون الأول ، لأن إحدى الحيثيتين تباين الأخرى ، فإن الجمع العرفي بينهما بتقديم الشمولي على البدلي إنما هو فيما إذا كانت المعارضة بينهما ذاتا وحقيقة ، وأما إذا لم تكن كذلك - كما هو المفروض في المقام - فمجرد العلم الإجمالي برجوع القيد من الخارج إلى أحدهما لا يوجب تعين رجوعه إلى البدلي ، لعدم الموجب لذلك أصلا ، لا عرفا ولا عقلا ، بل لو افترضنا حصول العلم الإجمالي بعروض التقييد من الخارج لأحد دليلي الحاكم أو المحكوم لم توجب أقوائية دليل الحاكم لإرجاع القيد إلى دليل المحكوم ، وهذا لعله من الواضحات الأولية . فالنتيجة في نهاية الشوط : هي أنه حيث لا تنافي بين إطلاق الهيئة وإطلاق المادة بالذات والحقيقة ، بل هو من ناحية العلم الخارجي بعروض التقييد على أحدهما فلا وجه لتقديم إطلاق الهيئة على المادة وإن فرض أنه بالوضع ، فضلا عما إذا كان بمقدمات الحكمة . وعليه فإذا كان التقييد المزبور بدليل متصل أوجب العلم الإجمالي الإجمال وعدم انعقاد أصل الظهور ، لفرض احتفاف الكلام بما